جيه بي مورجان: شركات الذكاء الاصطناعي تواجه صعوبة متزايدة في الحصول على التمويل

لم يعد مجرد الارتباط بقطاع الذكاء الاصطناعي كافيًا لإقناع المقرضين بفتح دفاتر التمويل، إذ بدأت البنوك وأسواق الائتمان تنظر بدرجة أكبر إلى قدرة الشركات على تمويل توسعاتها وخدمة ديونها وتحويل الإنفاق الضخم على البنية التحتية إلى تدفقات نقدية حقيقية.

وبحسب تقرير صادر عن "جيه بي مورجان برايفت بنك"، فإن السوق دخلت مرحلة أكثر صرامة في تقييم شركات الذكاء الاصطناعي، بعدما كانت التسمية وحدها كافية في وقت سابق لجذب رؤوس الأموال ورفع التقييمات.

وقال جاستن بيمان، كبير استراتيجيي الاستثمار العالمي في البنك، إن المقرضين أصبحوا يطالبون بأدلة واضحة على قدرة الشركات على تمويل استثماراتها، والوفاء بالتزاماتها، وتحقيق عائد نقدي من الإنفاق المتسارع على مراكز البيانات والمعالجات.

ويأتي هذا التحذير بعد تصريحات مشابهة أطلقها إيلون ماسك، الذي قال إن أسواق الدين أصبحت أكثر تشددًا تجاه شركات الحوسبة السحابية الجديدة المعتمدة بصورة شبه كاملة على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

وتزداد أهمية هذه التحذيرات في ظل تصاعد القلق من أن تتحول طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى مصدر ضغط مالي على الشركات التي لا تمتلك أعمالًا أخرى قوية قادرة على توليد إيرادات مستقلة.

ولا تظهر حالة القلق فقط في أسعار الأسهم، بل بدأت تنعكس بصورة أوضح على سوق التأمين ضد التعثر في السداد.

وارتفعت تكلفة عقود مبادلة مخاطر الائتمان، المعروفة باسم "CDS"، على ديون عدد من الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى مستويات قياسية، وهو ما يعكس ارتفاع تكلفة التحوط ضد احتمالات التعثر.

وتعمل هذه العقود باعتبارها نوعًا من التأمين على الديون، إذ يدفع المستثمر رسومًا سنوية مقابل الحصول على تعويض إذا فشل المُقترض في سداد التزاماته أو دخل في حالة إفلاس.

وكلما ارتفعت الفجوة السعرية لهذه العقود، دل ذلك على أن المستثمرين يطالبون بعائد أكبر مقابل تحمل مخاطر الائتمان.

فعلى سبيل المثال، عندما تبلغ تكلفة الحماية 100 نقطة أساس، فإن تأمين ديون بقيمة 10 ملايين دولار يكلف نحو 100 ألف دولار سنويًا.

وأشار التقرير إلى أن أحجام التداول الأسبوعية على عقود CDS المرتبطة بسندات شركات مثل "أوراكل" و"سبيس إكس" و"ألفابت" و"أمازون" و"ميتا" و"برودكوم" و"إنفيديا" تجاوزت في المتوسط 9 مليارات دولار خلال سبتمبر، مقارنة بأقل من ملياري دولار أسبوعيًا في يوليو.

ويعكس هذا الارتفاع السريع في التداول تزايد إقبال المستثمرين على التحوط من مخاطر الدين المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي.

ويبدو القلق أكثر وضوحًا بالنسبة للشركات التي تعتمد بصورة كبيرة على الاقتراض لتمويل مراكز البيانات والبنية التحتية.

وأشار بيمان، دون أن يذكر اسم شركة بعينها، إلى وجود شركة تعمل في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتحمل عشرات المليارات من الدولارات من الديون والالتزامات الأخرى، بينما قفزت تكلفة التأمين على ديونها لخمس سنوات إلى نحو 1,100 نقطة أساس.

وعند هذا المستوى، تصبح تكلفة تأمين ديون بقيمة 10 ملايين دولار أكثر من مليون دولار سنويًا، وهو ما يعكس درجة عالية جدًا من القلق لدى المستثمرين.

وأضاف بيمان أن هذه المستويات السعرية تعكس احتمال تعثر يقترب من أو يتجاوز 50% خلال خمس سنوات، بعدما كان أقل من 30% قبل عام.

واستشهد في هذا السياق بما حدث مع "ليمان براذرز"، إذ كانت عقود CDS الخاصة به تتداول دون 100 نقطة أساس في الربع الثالث من 2007، قبل أن تتجاوز 1,400 نقطة أساس بحلول منتصف سبتمبر 2008، بالتزامن مع انهيار البنك ودخول الأسواق المالية في واحدة من أعنف أزماتها.

لكن جيه بي مورجان شدد على أن عقود CDS الحالية يجب النظر إليها باعتبارها "أضواء تحذير" وليست عدًا تنازليًا للانهيار.

رغم ارتفاع تكلفة الحماية الائتمانية على بعض الشركات، فإن الصورة ليست قاتمة بالنسبة إلى جميع عمالقة التكنولوجيا.

وأوضح التقرير أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى التي تتمتع بتدفقات نقدية قوية تدفع ما يتراوح بين 50 و120 نقطة أساس فقط مقابل حماية ديونها لخمس سنوات.

ويرى البنك أن هذه المستويات لا تزال أقرب إلى تكلفة التأمين العادية للمحافظ الاستثمارية، أكثر من كونها إشارة إلى ضغوط مالية حادة.

وفي المقابل، ارتفعت التكلفة لدى بعض المقترضين الأكثر اعتمادًا على تمويل البنية التحتية إلى مستويات تقترب من 300 نقطة أساس، ما يعكس اختلافًا متزايدًا في نظرة الأسواق بين الشركات القادرة على تمويل توسعاتها داخليًا، وتلك التي تحتاج إلى بقاء أسواق الدين مفتوحة أمامها باستمرار.

ويرى جيه بي مورجان أن مصدر القلق الحقيقي يتركز في نماذج الأعمال التي تتطلب استمرار الاقتراض بمعدلات مرتفعة بينما يظل التدفق النقدي محدودًا والإنفاق في مستويات ضخمة.

ولا تتوقف آثار هذه المخاوف عند أسهم الذكاء الاصطناعي وحدها، إذ يمكن أن تنتقل إلى بقية الأصول عالية المخاطر، بما في ذلك العملات الرقمية.

فقد كان الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المحركات التي دعمت شهية المستثمرين للمخاطرة منذ أواخر 2022، وهي الفترة التي شهدت أيضًا بداية موجة صعود قوية في كل من "إنفيديا" و"البيتكوين".

ومع تصاعد الضغوط على شركات الذكاء الاصطناعي، يخشى المستثمرون من أن تمتد موجة العزوف عن المخاطرة إلى سوق العملات الرقمية أيضًا.

ويظهر ذلك بالفعل في أداء ناسداك، الذي تراجع بنحو 6.7% من مستوياته المسجلة في أوائل أكتوبر، بينما هبطت أسهم بعض الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بدرجة أكبر من المؤشر.

وفي الوقت نفسه، تراجع البيتكوين إلى مستويات قريبة من 80 ألف دولار، بالتزامن مع ازدياد حذر المستثمرين وترقبهم لقرار الاحتياطي الفيدرالي ومزيد من البيانات الاقتصادية.

وتكشف التطورات الأخيرة عن تحول مهم في قصة الذكاء الاصطناعي؛ فبعد مرحلة كان فيها النمو وحده كافيًا لجذب التمويل، بدأت الأسواق الآن تسأل سؤالًا أكثر صعوبة: هل تستطيع هذه الشركات تحويل الإنفاق الهائل إلى تدفقات نقدية تكفي لخدمة الديون؟

ومع تشدد أسواق الائتمان وارتفاع تكلفة التحوط من التعثر، قد يصبح التمويل خلال المرحلة المقبلة عاملًا حاسمًا في تحديد الشركات القادرة على مواصلة سباق الذكاء الاصطناعي، وتلك التي قد تجد نفسها مضطرة إلى خفض خطط التوسع أو البحث عن مصادر رأس مال جديدة.