رغم إعلان واشنطن التراجع عن حزمة من الرسوم الجمركية التي كانت تستهدف عدداً من الاقتصادات الأوروبية الكبرى، فإن هذه الخطوة لم تُترجم إلى تهدئة حقيقية في العلاقات عبر الأطلسي، بل على العكس، كشفت حجم التصدّع المتراكم في الثقة بين الجانبين.
حيث أن الضرر الاقتصادي المباشر قد يكون محدوداً على المدى القصير، إلا أن التداعيات السياسية والاستراتيجية تبدو أعمق وأكثر تعقيداً، ما يضع مستقبل الشراكة الأميركية-الأوروبية أمام اختبار حاسم.
وأعادت الأزمة الأخيرة إلى الواجهة أدوات ضغط تجارية كان الاتحاد الأوروبي يتعامل معها سابقاً بحذر، وعلى رأسها أداة مواجهة الإكراه التجاري (ACI)، التي صُممت للرد على الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمارسها قوى كبرى.
مجرد تصاعد الحديث عن هذه الأداة يعكس تحوّلاً في المزاج الأوروبي من الاعتماد على الدبلوماسية التجارية إلى الاستعداد لاستخدام أدوات ردع اقتصادية أكثر صرامة.
كما أظهرت التطورات الأخيرة نقاط ضعف محتملة في الموقف الأميركي، إذ إن أي تفعيل فعلي لإجراءات أوروبية مضادة كان سيترك أثراً ملموساً على قطاعات حساسة في الاقتصاد الأميركي.
وفي هذا السياق، جاء الخلاف المرتبط بغرينلاند ليضيف بعداً جيوسياسياً جديداً للأزمة، ويعزز القناعة بأن النظام الاقتصادي العالمي يتجه نحو مزيد من الاستقطاب والانقسام.
وبدلاً من المشهد التقليدي الذي يقوم على ثنائية الصراع بين الولايات المتحدة والصين، تزداد احتمالات تشكّل نظام عالمي قائم على ثلاثة تكتلات رئيسية.
في هذا السيناريو، تسعى أوروبا إلى توسيع المسافة بينها وبين القوتين العظميين، محاولة الحفاظ على قدر أكبر من الاستقلالية الاقتصادية والسياسية، وهو مسار يحمل في طياته فرصاً، لكنه لا يخلو من تكاليف مرتفعة.
وتشير تقديرات مراكز بحثية أوروبية إلى أن هذا الانقسام الثلاثي قد يفرض ضغوطاً إضافية على النمو الاقتصادي في القارة العجوز، خصوصاً إذا تزامن مع تضييق فرص النفاذ إلى الأسواق المرتبطة بالولايات المتحدة من جهة، والصين من جهة أخرى.
اقتصاد أوروبا، رغم قوته، لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على انسيابية التجارة العالمية واستقرار سلاسل الإمداد.
وفي الوقت الذي يكثّف فيه الاتحاد الأوروبي جهوده لبناء شراكات تجارية جديدة وتنويع علاقاته الاقتصادية بهدف تقليل الاعتماد على السوق الأميركية، تبقى الحقيقة الصعبة أن تعويض المستهلك الأميركي ليس مهمة سهلة.
كما أن حجم السوق، وقوته الشرائية، وعمقه المالي تجعل استبداله أو تقليص دوره تحدياً طويل الأمد.
وبالتالي، حتى مع نجاح أوروبا في فتح مسارات تجارية بديلة وتعزيز حضورها في أسواق ناشئة ومتقدمة خارج الإطار الأميركي.
فإن أي تراجع في مستوى الترابط الاقتصادي بين ضفتي الأطلسي سيضيف أعباء جديدة على الاقتصاد العالمي ككل، ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق، في وقت يعاني فيه العالم أصلاً من تباطؤ النمو وارتفاع المخاطر الجيوسياسية.








