في كل مرة تهتز فيها الأسواق العالمية، يعود سؤال الأمان إلى الواجهة: أين يجب أن تذهب الأموال عندما يتراجع اليقين؟ خلال الفترة الأخيرة، بدا أن الإجابة جاءت واضحة من سلوك المستثمرين أنفسهم، لا من الشعارات.
حيث أن الذهب عاد ليتصدر المشهد بقوة، بينما وجد البيتكوين نفسه في موقع الدفاع، وسط أداء ضعيف لا ينسجم مع صورته التي رُوّج لها طويلًا كبديل حديث للملاذات التقليدية.
الأرقام وحدها كفيلة بإشعال الجدل، ففي عام اتسم بالتوترات السياسية وتقلّب السياسات النقدية، فقدت العملة الرقمية جزءًا معتبرًا من قيمتها، بينما حققت المعادن النفيسة مكاسب استثنائية.
هذا التناقض دفع كثيرين إلى إعادة التفكير: هل كان الرهان على «الأصل الرقمي» سابقًا لأوانه، أم أن السوق يمر فقط بمرحلة اختبار قاسية؟
غريزة البقاء أقوى من الابتكار
عندما يسيطر الخوف، لا تميل المؤسسات المالية إلى المغامرة. بل تعود تلقائيًا إلى ما تعرفه جيدًا، حتى لو كان أقل كفاءة من الناحية النظرية.
أما الذهب، بتاريخ يمتد لآلاف السنين، لا يحتاج إلى تبرير أو إقناع، بينما يتطلب البيتكوين مستوى أعلى من الثقة والجرأة، وهو ما يصعب توفره في أوقات القلق الجماعي.
من هذا المنطلق، يرى بعض الخبراء أن ما يحدث لا يعكس فشلًا في فكرة البيتكوين بحد ذاتها، بل يكشف عن فجوة نفسية بين المستثمرين والتكنولوجيا، فجوة لا تزال تتحكم في قرارات ضخ رؤوس الأموال الكبرى.
السوق يعيد توزيع الأوراق
خلف تقلبات السعر اليومية، تجري عملية أعمق وأكثر هدوءًا. فالمشهد الحالي يتسم بخروج تدريجي لمستثمرين مبكرين قرروا جني أرباح سنوات طويلة، يقابله دخول منظم عبر أدوات استثمارية جديدة تمتص المعروض ببطء.
هذه الحركة لا تعبّر عن هروب من الأصل، بقدر ما تشير إلى انتقاله من أيدٍ قديمة إلى أخرى جديدة، في دورة طبيعية لأي أصل ناشئ.
صراع توقيت لا صراع قيمة
المقارنة بين الذهب والبيتكوين قد تبدو مغرية، لكنها في جوهرها مقارنة بين زمنين مختلفين. الذهب يخدم اقتصادًا تقليديًا يعيش أزماته في العالم الحقيقي، بينما يتحرك البيتكوين ضمن منظومة رقمية لم تصبح بعد مركز الثقل.
ومع استمرار الضغوط على الاقتصاد الواقعي، كان من المنطقي أن يتقدم الذهب خطوة إلى الأمام، بينما يتراجع الأصل الرقمي مؤقتًا.
لكن هذا التراجع، بحسب أنصار البيتكوين، لا يلغي فكرته الأساسية، بل يؤكد أن تبنيه الواسع لا يسير في خط مستقيم، وإنما عبر موجات من الشك ثم القبول.
الثقة لا تُبنى بسرعة
رغم كل الحديث عن «الذهب الرقمي»، لا يزال البيتكوين يفتقر إلى عنصر حاسم: الاعتياد. فالمستثمرون لا يثقون بالأرقام فقط، بل بالذاكرة الجمعية.
هناك من يرى أن البيتكوين نجح في مرحلة معينة كأداة لمواجهة التضخم، لكنه يواجه اليوم بيئة اقتصادية مختلفة قد تميل نحو الانكماش، ما يفرض عليه البحث عن دوافع طلب جديدة.
في المقابل، يرفض آخرون هذا التوصيف، معتبرين أن البيتكوين ليس رهانًا ظرفيًا، بل بنية مالية مختلفة تمامًا، قائمة على الندرة المطلقة، وهي خاصية يصعب تكرارها في أي أصل آخر.
هل يتغير المسار؟
مع وصول الذهب والفضة إلى مستويات تقييم مرتفعة، يعتقد مؤيدو الأصول الرقمية أن نقطة التحول لم تختفِ، بل تأجلت.
فحين تبدأ العوائد في التضاؤل داخل الأصول التقليدية، قد تعود السيولة للبحث عن فرص أقل ازدحامًا، وحينها قد يجد البيتكوين نفسه في قلب المشهد مجددًا، لا كبديل طارئ، بل كخيار استراتيجي طويل الأجل.
واقع السوق الآن
في الوقت الراهن، يظل الضغط البيعي حاضرًا. فقد تراجع البيتكوين بعد اقترابه من قمم سعرية مرتفعة، ليستقر دون مستويات نفسية مهمة، مسجلًا خسائر أسبوعية واضحة.
بينما امتدت موجة التراجع إلى معظم العملات الرقمية الكبرى، في إشارة إلى أن السوق بأكمله لا يزال في مرحلة إعادة تسعير.








