جولدمان ساكس: الذهب يستفيد من تراجع العوائد الحقيقية ونقص السلع العالمية

تشهد أسواق الذهب والسلع موجة صعود قوية تعكس تغيرًا أوسع في توجهات المستثمرين، في ظل تزايد المخاوف بشأن نقص المعروض من السلع الأساسية، بالتزامن مع تراجع العوائد الحقيقية على السندات الأمريكية وما يترتب على ذلك من انخفاض جاذبية الاحتفاظ بالنقد والأصول ذات العائد الثابت.

ويرى محلل السلع المخضرم جيفري كوري أن الأسواق تتحرك حاليًا تحت تأثير عاملين رئيسيين، يتمثل الأول في نقص الإمدادات الفعلية في عدد من أسواق السلع، بينما يرتبط العامل الثاني بتطورات سوق السندات الأمريكية والإجراءات التي اتخذتها وزارة الخزانة بهدف زيادة عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل.

وأوضح كوري أن قرار الخزانة الأمريكية مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل قد يحد من قدرة عوائد هذه السندات على مواصلة الارتفاع لمواجهة الضغوط التضخمية، وهو ما قد يقلص العوائد الحقيقية التي يحصل عليها المستثمرون ويشجعهم على التوجه نحو أصول بديلة للتحوط من تآكل القوة الشرائية للعملات، وفي مقدمتها الذهب.

وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع ارتفاع قوي في أسعار المعادن النفيسة، إذ صعد الذهب بنحو 4% ليصل إلى مستوى 4510 دولارات للأوقية، فيما ارتفعت الفضة بنحو 5%. كما سجل مؤشر السلع "Quantix" مستوى قياسيًا، ما يعكس اتساع نطاق المكاسب وعدم اقتصارها على المعدن الأصفر فقط.

ولا تقتصر المخاوف المرتبطة بنقص المعروض على سوق النفط الخام، إذ لفت كوري إلى وجود ضغوط واضحة أيضًا في قطاع المنتجات المكررة، وعلى رأسها الديزل. وارتفع هامش تكرير الديزل إلى أكثر من 100 دولار للبرميل للمرة الأولى، مسجلًا نحو 102.20 دولار، في ظل نقص كبير في طاقات التكرير عالميًا.

ووفقًا لتقديراته، يعاني قطاع التكرير العالمي عجزًا يقدر بنحو 5 ملايين برميل يوميًا، وهو ما يزيد الضغوط على إمدادات المنتجات النفطية ويرفع تكاليف الطاقة، حتى في حالة توافر كميات كافية من الخام في الأسواق.

وتتزامن هذه الضغوط مع اتساع نطاق الاختناقات التي تواجه سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، إذ تشمل المخاطر اضطرابات حركة الشحن عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر وقناة بنما، إلى جانب المشكلات المرتبطة بصادرات الحبوب عبر البحر الأسود.

وقد يؤدي استمرار هذه الاختناقات إلى ارتفاع تكاليف نقل الطاقة والمواد الغذائية والسلع الأساسية، بما يعزز الضغوط التضخمية العالمية ويزيد الطلب على الأصول التي ينظر إليها المستثمرون باعتبارها وسيلة للحفاظ على القيمة في أوقات عدم اليقين.

ويرى كوري أن اجتماع نقص المعروض مع الضغوط التي تحد من ارتفاع العوائد الحقيقية قد يمنح الذهب والسلع ما يمكن وصفه بـ"علاوة الندرة"، إذ تصبح الأصول المادية أكثر جاذبية في وقت تتراجع فيه القيمة الحقيقية للنقد.

وبالتالي، قد يظل الذهب وغيره من السلع مستفيدًا خلال الفترة المقبلة إذا استمرت اختناقات الإمدادات العالمية، بالتزامن مع السياسات التي تضغط على العوائد الحقيقية وتدفع المستثمرين إلى البحث عن بدائل للتحوط من التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملات.