في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين على الساحة الاقتصادية العالمية، شهدت الأسواق المالية ظاهرة نادرة تمثلت في صعود الذهب والدولار الأمريكي في الوقت نفسه.
حيث تكسر هذه الحركة القاعدة التاريخية التي تفترض أن الذهب ينخفض عندما يرتفع الدولار، لكنها تعكس تحولات عميقة تقودها اليابان سياسيًا، نقديًا، واقتصاديًا.
من طوكيو كملاذ آمن… إلى طوكيو كمصدر قلق
لسنوات طويلة، كانت الأموال تهرب إلى طوكيو وقت الأزمات، بحثًا عن الأمان، ما عزز قوة الين الياباني وجعله عملة ملاذ آمن عالميًا.
اليوم، انقلبت المعادلة رأسًا على عقب: الأموال تهرب من طوكيو بسبب القلق من:
* تضخم الديون الحكومية اليابانية إلى مستويات قياسية
* استمرار الفائدة شبه الصفرية
* فقدان الين جاذبيته كعملة تحوط
هذا التغير دفع السيولة العالمية نحو الدولار الأمريكي والذهب كملاذات أكثر أمانًا.
الين الياباني يفقد مكانته التاريخية
تراجع الين إلى مستويات ضعيفة غير مسبوقة، حيث تجاوز الدولار حاجز 150 ينًا في بعض الفترات، وهو من أضعف مستوياته منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وانعكس هذا التراجع في فقدان الين لدوره كملاذ آمن عالميًا، وارتفاع الطلب على الذهب والدولار كملاذات للتحوط.
انتخابات 8 فبراير… فوز سانا كاياتشي وتعميق المخاطر
ساهمت الانتخابات اليابانية الأخيرة، التي أقيمت في 8 فبراير، في زيادة حالة القلق. أسفرت عن فوز سانا كاياتشي، المعروفة بدعمها للإنفاق الحكومي والسياسات التوسعية.
هذا الفوز بعث برسائل واضحة للأسواق:
* استمرار الإنفاق الحكومي الكبير
* مستويات ديون مرتفعة مستمرة
* الاعتماد على التحفيز النقدي لم يتراجع
ما دفع المستثمرين لتعزيز مراكزهم في الذهب، باعتباره الأصل الوحيد الذي لا يمكن طباعته أو التلاعب في معروضه.
بنك اليابان وتغيير المسار النقدي
في مواجهة تراجع الين، اضطر بنك اليابان المركزي إلى رفع أسعار الفائدة لأول مرة منذ سنوات طويلة، بعد عقود من السياسة النقدية شديدة التيسير.
ورغم أن الرفع كان محدودًا، إلا أن أثره النفسي كان كبيرًا في الأسواق، خاصة في ظل:
* ديون حكومية تتجاوز 260% من الناتج المحلي
* المخاوف من اضطرابات سوق السندات
حالياً، يقف بنك اليابان مراقبًا عن كثب، حيث تتراوح أسعار الفائدة عند 0.75 نقطة مئوية.
بينما الأسواق تترقب اجتماع البنك في مارس المقبل، وسط توقعات بتثبيت أسعار الفائدة، لكن في حال واصل الين انخفاضه، قد يضطر البنك إلى رفع الفائدة لضبط الأسواق، رغم المخاطر الكبيرة المترتبة على الدين الحكومي الضخم.
لماذا يصعد الذهب رغم قوة الدولار؟
في الوضع الطبيعي، يؤدي صعود الدولار إلى الضغط على الذهب، لكن اليوم المشهد مختلف. المستثمرون يشترون الذهب ليس لمجرد تحركات العملات، بل بسبب القلق العالمي من الديون الحكومية الضخمة، سواء في اليابان، الولايات المتحدة، أو أوروبا.
اليوم، الذهب يُشترى لأنه:
* أداة تحوط ضد انفجار الديون
* حماية من فقدان الثقة في العملات الورقية
* ملاذ آمن في عالم يعتمد بكثرة على الاقتراض
لذلك، صعد الذهب بالتوازي مع الدولار، كوجهين مختلفين للأمان في بيئة مضطربة.
كسر القاعدة… مؤقتًا
العلاقة العكسية بين الذهب والدولار لم تختفِ، لكنها تعطلت مؤقتًا بسبب الظروف الاستثنائية. في أوقات الأزمات الهيكلية الكبرى، يتحول المستثمرون إلى منطق حماية الثروة، ما يفسر صعود الأصول المتعارضة معًا.
توقعات المؤسسات العالمية
* ويلز فارجو: في تقريره الصادر يوم 4 فبراير، أكد أن الذهب مرشح لمواصلة الأداء القوي على المدى المتوسط، مدفوعًا بتزايد الديون الحكومية والطلب التحوطي من المستثمرين والبنوك المركزية.
* جولدمان ساكس: رفع توقعاته للذهب، مؤكدًا أن المعدن الأصفر سيظل أداة أساسية للتحوط خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار المخاطر المالية وارتفاع مستويات الدين وضعف الثقة في السياسات النقدية التقليدية.
الخلاصة
اليوم، صعود الذهب والدولار معًا ليس مجرد حركة أسعار، بل انعكاس لقلق عالمي متزايد. الأموال لم تعد تهرب إلى طوكيو، بل تهرب منها، والين يفقد مكانته كملاذ آمن، ما دفع المستثمرين لتوجيه سيولتهم نحو الدولار والذهب.
صعود الذهب والدولار يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد العالمي، وسيظل مسار هذا التوجه مرتبطًا بقرارات البنوك المركزية، وبالأخص بنك اليابان، والانتخابات والسياسات المالية، خلال الفترة المقبلة.








