«أوبك+» يجمد إنتاج النفط للشهر الثالث.. حرب إيران تعقّد حسابات الإمدادات وترقب لقرارات 2027
اختار تحالف «أوبك+» الإبقاء على مستويات إنتاج النفط المستهدفة دون تغيير خلال ديسمبر المقبل، مفضلاً التريث في تعديل سياسة الإمدادات للشهر الثالث على التوالي، في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة حالة من عدم اليقين بفعل استمرار الحرب في الشرق الأوسط، واضطراب حركة صادرات الخام، رغم التعافي التدريجي للإنتاج لدى بعض الدول الخليجية.
ويعكس القرار رغبة المنتجين في تجنب ضخ كميات إضافية إلى سوق لا تزال تتحرك تحت تأثير المخاطر الجيوسياسية، خصوصًا أن ارتفاع أسعار النفط لا يعكس بالضرورة تحسن ظروف الإنتاج، بل يرتبط بدرجة كبيرة بالمخاوف من تعطل الإمدادات واستمرار التهديدات التي تواجه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وجاء القرار عقب اجتماع افتراضي عقدته سبع دول رئيسية في التحالف، بقيادة السعودية وروسيا، بمشاركة العراق والكويت وكازاخستان والجزائر وسلطنة عُمان.
حيث اتفقت على تمديد العمل بمستويات الإنتاج الحالية حتى نهاية العام، في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع، مع تحول اهتمام التحالف تدريجيًا نحو رسم ملامح سياسته النفطية لعام 2027.
ويأتي تثبيت الحصص امتدادًا لقرار تعليق الزيادات الشهرية خلال الربع الأخير من العام الجاري، بعدما أنهى المنتجون في سبتمبر عملية التراجع التدريجي عن تخفيضات طوعية بلغت نحو 1.65 مليون برميل يوميًا، أُقرت في عام 2023، وذلك عبر سلسلة من الزيادات التي استمرت خلال الأشهر السابقة.
لكن تأثير هذه الزيادات ظل محدودًا على أرض الواقع، بعدما أدت الحرب إلى تعطيل جزء من القدرات الإنتاجية والتصديرية في منطقة الخليج، ما جعل عددًا من المنتجين عاجزين عن بلوغ المستويات المسموح بها أصلًا. وبذلك، أصبح الفارق بين حصص الإنتاج المعلنة والكميات التي تصل فعليًا إلى الأسواق أحد أبرز التحديات التي تواجه التحالف.
النفط قرب 118 دولارًا.. والمخاطر الجيوسياسية تفرض كلمتها
يتزامن قرار «أوبك+» مع موجة جديدة من الارتفاعات في أسعار النفط العالمية، بعدما لامست العقود الآجلة لخام برنت تسليم ديسمبر مستوى 118 دولارًا للبرميل خلال تعاملات الجمعة، قبل أن تنهي تداولاتها عند 117.64 دولارًا، بارتفاع نسبته 2.4%، مسجلة أعلى مستوياتها منذ أواخر أبريل.
كما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى 104.12 دولارات للبرميل، بمكاسب بلغت نحو 2.1%، بينما أنهى خام برنت أكتوبر بارتفاع شهري قدره 13.6%، مقابل زيادة بلغت 15.2% للخام الأمريكي، في مؤشر على استمرار القلق بشأن قدرة الأسواق على تعويض الإمدادات المعرضة للخطر.
وجاءت هذه المكاسب بعد تجدد التوترات الأمنية في مضيق هرمز، حيث أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض ناقلة لهجوم باستخدام عبوات ناسفة، وهو ما أعاد المخاوف بشأن سلامة السفن التجارية ورفع درجة الحذر لدى المتعاملين في أسواق الطاقة.
ورغم تسجيل تحسن تدريجي في صادرات بعض المنتجين الخليجيين، فإن حركة الشحن لم تستعد طبيعتها بصورة كاملة، إذ لا تزال التهديدات الأمنية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين تشكل عقبات أمام عودة تدفقات النفط إلى مستويات ما قبل الحرب.
وفي محاولة لتجاوز هذه الضغوط، كثفت بعض الدول استخدام مسارات تصدير بديلة، بما في ذلك الموانئ المطلة على بحر العرب والبحر الأحمر، إلا أن هذه البدائل لا تستطيع تعويض جميع الكميات التي كانت تعبر مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.
ويضع هذا الوضع أسواق النفط أمام معادلة معقدة؛ فبينما تدعم المخاطر العسكرية الأسعار الآجلة، تظل مستويات الإمدادات الفعلية مرتبطة بسرعة تعافي المنشآت النفطية، وتوافر الناقلات، وإمكانية استعادة حركة الشحن بصورة مستقرة.
الإنتاج يتعافى تدريجيًا.. والسعودية تقود الزيادة
وعلى صعيد الإمدادات، كشفت أحدث بيانات منظمة «أوبك» عن ارتفاع الإنتاج الفعلي للدول المشاركة في اتفاق التعاون بنحو 903 آلاف برميل يوميًا خلال سبتمبر، ليصل إلى 39.068 مليون برميل يوميًا، مقارنة مع 38.165 مليون برميل يوميًا في أغسطس.
وقادت السعودية جانبًا كبيرًا من هذا التعافي، بعدما زادت إنتاجها بنحو 744 ألف برميل يوميًا، ليبلغ نحو 8.001 مليون برميل يوميًا خلال سبتمبر، وفق تقديرات المصادر الثانوية التي تعتمد عليها المنظمة، مقابل 7.257 مليون برميل يوميًا في الشهر السابق.
كما أسهم العراق في دعم الزيادة، مع ارتفاع إنتاجه بنحو 386 ألف برميل يوميًا إلى 3.92 مليون برميل يوميًا، في ظل محاولات استعادة جزء من الإمدادات التي تأثرت باضطرابات المنطقة.
ورغم هذا التحسن، لا تزال مستويات إنتاج عدد من الدول الخليجية أقل من طاقتها المعتادة قبل اندلاع الحرب، وهو ما يفسر محدودية التأثير الفعلي للزيادات السابقة في حصص «أوبك+» على المعروض العالمي.
وتبرز هنا نقطة أساسية في حسابات التحالف، تتمثل في أن رفع سقف الإنتاج لا يعني بالضرورة وصول براميل إضافية إلى الأسواق، طالما استمرت القيود اللوجستية والأمنية التي تمنع بعض الدول من الاستفادة الكاملة من طاقاتها الإنتاجية.
2027 يقترب.. وملف التخفيضات يعود إلى الواجهة
ومع اقتراب نهاية العام، ينتقل التركيز داخل «أوبك+» من إدارة الإمدادات قصيرة الأجل إلى حسم الملفات الأكثر تعقيدًا المتعلقة بسياسة الإنتاج خلال 2027.
ومن المقرر أن يعقد التحالف اجتماعه الوزاري الكامل في 29 نوفمبر، لمناقشة مستويات الإنتاج المستقبلية، في وقت لا تزال فيه شريحة أخرى من التخفيضات، تبلغ نحو مليوني برميل يوميًا وتشمل معظم الدول الأعضاء، سارية حتى نهاية ديسمبر.
ويمثل تحديد مصير هذه التخفيضات اختبارًا مهمًا لقدرة التحالف على تحقيق التوازن بين حماية الأسعار واستعادة حصته في السوق العالمية، خصوصًا إذا شهد العام المقبل انحسارًا في التوترات العسكرية وعودة تدريجية للإمدادات المتوقفة.
وتزداد صعوبة هذه المهمة مع استمرار المراجعة الفنية للقدرات الإنتاجية للدول الأعضاء، التي ستشكل أساسًا لتحديد مستويات الإنتاج المرجعية والحصص الجديدة لعام 2027.
وتكتسب هذه المراجعة أهمية خاصة في ظل التفاوت بين قدرات الدول على زيادة الإنتاج، فضلًا عن تأثر مشروعات التوسع النفطي والبنية التحتية في بعض مناطق الشرق الأوسط بتداعيات الحرب.
كما يواجه التحالف احتمال ظهور فائض في المعروض إذا عادت كميات كبيرة من النفط المتوقف إلى الأسواق بوتيرة أسرع من تعافي الطلب، وهو سيناريو قد يعيد الضغوط الهبوطية إلى الأسعار ويدفع المنتجين لإعادة النظر في وتيرة تخفيف القيود الإنتاجية.
توقعات الطلب تكشف مفارقة جديدة في سوق النفط
وفي موازاة الضغوط المتعلقة بالإمدادات، تظهر تقديرات الطلب العالمي صورة أكثر تعقيدًا، بعدما خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها لنمو استهلاك النفط خلال 2026 للشهر السادس على التوالي، لتصل إلى 200 ألف برميل يوميًا، مقارنة مع 400 ألف برميل يوميًا في التقديرات السابقة.
وبحسب تقرير المنظمة الصادر في أكتوبر، من المتوقع أن يبلغ متوسط الطلب العالمي نحو 105.7 مليون برميل يوميًا هذا العام، في ظل تأثير ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات النشاط الاقتصادي على الاستهلاك، لا سيما في بعض الاقتصادات الآسيوية والأوروبية.
وفي المقابل، رفعت «أوبك» توقعاتها لنمو الطلب خلال 2027 إلى نحو 2.6 مليون برميل يوميًا، مقابل 2.4 مليون برميل يوميًا سابقًا، ليصل متوسط الاستهلاك العالمي إلى نحو 108.3 مليون برميل يوميًا.
ويرتبط هذا التحسن المتوقع بإمكانية استعادة النشاط الاقتصادي والتجاري جزءًا من زخمه مع تراجع اضطرابات الإمدادات، إلى جانب زيادة الطلب على النفط لتعويض المخزونات التي استُنزفت خلال الحرب.
وتشير تقديرات المنظمة كذلك إلى أن الطلب على خام الدول المشاركة في اتفاق التعاون قد يرتفع إلى 43.9 مليون برميل يوميًا في 2027، مقارنة مع 42.1 مليون برميل يوميًا خلال العام الحالي، ما يعزز أهمية القرارات التي سيتخذها التحالف بشأن إعادة الكميات الخاضعة للتخفيضات.
غير أن هذه التوقعات تبقى رهينة بتطورات الأوضاع الجيوسياسية، إذ قد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة إلى كبح الاستهلاك لفترة أطول، بينما يمكن لأي انفراجة سياسية أن تغير بصورة ملموسة توقعات الإنتاج والطلب خلال الأشهر المقبلة.
وفي المحصلة، يبدو أن «أوبك+» يفضل الإبقاء على هامش واسع من المرونة بدلًا من التسرع في اتخاذ قرارات قد يصعب التراجع عنها لاحقًا. فالحرب التي دعمت أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة هي نفسها التي أعاقت قدرة عدد من المنتجين على ضخ المزيد من الخام، ما يجعل استقرار الإمدادات أكثر ارتباطًا بتطورات المشهد السياسي والأمني من قرارات الحصص وحدها.
وبينما يترقب المستثمرون اجتماع 29 نوفمبر، ستظل حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، وسرعة تعافي إنتاج الخليج، وتوقعات الطلب العالمي، عوامل حاسمة في تحديد اتجاه أسعار النفط مع اقتراب عام 2027، وسط تساؤل رئيسي حول ما إذا كانت الأسواق تتجه إلى أزمة إمدادات ممتدة، أم إلى مرحلة جديدة تتراجع فيها المخاطر وتعود المنافسة بين المنتجين على الحصص السوقية.
المزيد من الاخبار
بنك أوف أمريكا يدق ناقوس الخطر في وول ستريت.. هل يتكرر سيناريو فقاعة الإنترنت؟








ملخص الأسواق: ماحدث بالأمس وماينتظرنا اليوم 30/10: وول ستريت تحت ضغط عمالقة التكنولوجيا.. ناسداك يهبط 1.4% ومخاوف الذكاء الاصطناعي تهدد جلسة الجمعة








ملخص الأسواق: ماحدث بالأمس وماينتظرنا اليوم 29/10: وول ستريت تصعد رغم تشدد الفيدرالي.. هل تعصف بيانات التضخم بمكاسب الأسهم الأمريكية؟








ملخص الأسواق: ماحدث بالأمس وماينتظرنا اليوم 28/10: الأربعاء الحاسم يهز وول ستريت: الفيدرالي وأرباح عمالقة التكنولوجيا يضعان السوق أمام اختبار مصيري
الفيدرالي الأمريكي أمام اختبار التضخم.. الأسواق ترجح تثبيت الفائدة اليوم وتترقب إشارات ديسمبر
"أنثروبيك" تطرق أبواب وول ستريت.. هل يصبح طرحها الأضخم في تاريخ شركات الذكاء الاصطناعي؟








